وحكمت المحكمة... ببدلة رقص!!!
خلال الفترة الماضية، تلاحقت
الأخبار اليومية على منصات التواصل الاجتماعي بحوادث متنوعة وفيديوهات صادمة للأسر
المصرية وللمجتمع... ما بين حكم على شاب في إحدى القرى بعقوبة ارتداء بدلة رقص
والتجول بها داخل شوارع القرية... أو تجريد فتاة من ملابسها على يد مجموعة من
السيدات وتصويرها والتشهير بها... ولم نلتقط الأنفاس من حوادث الأمس حتى تلاحقت
الأخبار بمجموعة حالات اغتصاب لأطفال، بل والقتل والتعذيب قبل القتل وبدم بارد...
مع حالات انتحار لشباب في مقتبل العمر بعد تمكن اليأس والاكتئاب والمرض النفسي
منهم!!!
كلها حوادث تدل على تغير واضح في
السلوك البشري، ومع الأسف تغير للأسوأ، وصورة واضحة لتفشي العنف وأخذ الحق بالقوة،
وإصدار الأحكام وتنفيذها... نحن أمام مشكلات نفسية يعاني منها مجتمع بأثره، مشكلات
بحاجة إلى دراسة عميقة لمعرفة أسباب العنف بين أفراد المجتمع، ولمعرفة التغير الطارئ
على سلوك الفرد وأسبابه، ووضع الحلول المناسبة لكبح جماح شياطين الإنس والعودة
بالنفس البشرية إلى فطرتها السليمة.
حاورت نفسي كثيرًا، وسألتها كثيرًا
عن أسباب العنف وتغير سلوك الفرد داخل المجتمع المصري؟
هل الحالة الاقتصادية وقلة الدخل
والفقر سببًا لظهور هذا السلوك البشري؟
بحثت من خلال الذكاء الاصطناعي
لأحصل على نسب وإحصائيات العنف بين الطبقات الاجتماعية، لتطل عليّ بخلاصة الصورة
الواقعية: لا توجد إحصائية رسمية دقيقة تقارن مباشرة بين العنف بين الأغنياء
والفقراء في مصر، ولكن:
·
الضغوط الاقتصادية (المرتبطة بالفقر) تزيد من احتمالية
العنف.
·
العنف الأسري في مصر في ازدياد عام.
·
الظاهرة موجودة في كل الطبقات، لكن شكلها وظهورها يختلف.
هل الزيادة السكانية
والكثافة السكانية الملحوظة خلال الثلاثين عامًا السابقة لها دور كبير في ظهور
نفوس مريضة شيطانية يحكمها الهوى الشخصي؟
هل قلة الوازع الديني
وانتشار موجات تشجع على الإلحاد والشذوذ والبعد عن الفطرة السليمة؟
هل الأسرة المصرية
نفسها، الأم والأب وأسلوب التربية، سمحت بظهور أنماط من البشر لا تقدر معنى الحياة
الزوجية ولا تحترم البيت والأسرة، مع غزو غربي لتهميش أهمية الأسرة في المجتمع واستبدال
دور الزوجة بالصديقة، ودور الزوج بصديق للزوجة؟
مع البعد عن الأخلاق الحميدة ومكارمها التي تربينا
عليها، من احترام الكبير وتوقيره أيًّا كان: عمًّا أو خالًا أو مدرس الفصل،
والانخراط في تشبه أعمى بسلوكيات وأخلاقيات تبعد كل البعد عن عاداتنا المصرية الأصيلة؟
إنها كل هذه الأسباب
مجتمعة في بوتقة واحدة، أنتجت هذا التلوث في السلوك البشري، ليحتل العنف قائمة
الأخبار اليومية، ويطل علينا بعجائب هذا الزمان.
وما الحل؟ يجب أن يكون
هناك حل، ولكنه حل يشمل كل فرد في المجتمع؛
حل يشمل الأسرة: الأم
والأب والأبناء أنفسهم، بدءًا من تربية جيل يحترم ويقدس الحياة الزوجية، ويوقر
الكبير ويمتثل لحكمه.
حل يشمل كل أجهزة
الدولة بلا استثناء، بل على العكس، أصبح دور الدولة هو الدور الرئيسي لإصلاح
المجتمع، من خلال مجموعة إجراءات حاسمة، بتشديد العقوبات وتحديث القوانين. وما زلت
أكرر ضرورة خفض سن الحدث ليصل إلى 12 أو 13 عامًا، مع ضرورة تسارع إجراءات
التقاضي، وتنفيذ الأحكام علنًا بحضور أهل الضحية والمتهم، والضرب بيد من حديد على
كل غاصب فاسد، أيًّا كان منصبه، وبلا هوادة.
عودة دور المؤسسة
التعليمية القوي في التربية وبناء أفراد أسوياء، للحصول على منتج يبني ويعمر الأرض.
ولا يقل دور المؤسسات
الدينية أهمية في بناء مجتمع صالح وأسر سوية. وقد طالبت مرارًا وتكرارًا بفتح
المسجد الكبير في كل قرية ومركز وحي، ليعالج مشاكل المتزوجين بعيدًا عن أروقة
المحاكم، بجانب توفير أخصائي في الإرشاد الأسري والنفسي داخل المسجد، يساعدهم
للوصول لأفضل الحلول لهم. وليكون المسجد الكبير ملجأً لغير القادر والمريض،
بالتعاون مع الجمعيات الخيرية بكل حي، والميسورين من رجال الأعمال والأعيان،
والعمل بلامركزية لحل مشاكل الحي.
أما الإعلام، فله
الدور الأكبر في نشر القدوة الحسنة والارتقاء بمستوى الأسر، بمراجعة دقيقة لكل ما
يُعرض، وكل ما يسمعه شباب الجيل وأطفاله.
إنها سلسلة متكاملة
تربطنا جميعًا سويًا، إذا صلحت صلحت الأسرة والمجتمع، ولعادت النفس البشرية إلى
صلاحها، ولعاد خليفة الله في أرضه لدوره الأصيل في عبادته، ولإعمار الأرض وزرع
الورود والريحان.
دعوتي لكم جميعًا:
العودة إلى مكارم الأخلاق، العودة إلى الدين والعلم والتفاني والإخلاص في العمل...تذكروا
دائما أننا راحلون جميعًا، ولن يبقى سوى الأثر الطيب والعمل الصالح شاهدًا عليك في
الدنيا والآخرة.
بقلم : الأستاذة صباح عاصم رئيس مجلس إدارة جمعية بداية للأعمال الخيرية